تحليل سيكولوجية البشر في أزمنة انتشار الأوبئة

قبل 6 شهر | الأخبار | تقارير وحوارات

قفلت البشرية باب الكرة الأرضية خلفها ودخلت إلى غرف الوقاية والحجر المنزلي الطوعي. إنها المرة الأولى التي تتقطع فيها السبل والأوصال بين البشر والدول وبين المناطق في الدول نفسها. الأوبئة السابقة كانت تفعل فعلها العميق بالشعوب وتقتل منهم ما تقتل، ولكنها لم توقف الحياة نهائياً، لأن التواصل نفسه بين شعوب الأرض في أزمنة الأوبئة السابقة لم يكن كتواصل البشر اليوم. فالعولمة أسقطت الحدود بين الدول والشعوب والثقافات والأعراق. وشبكة الإنترنت جعلت العالم بيتاً بمنازل كثيرة. وسيطرت "السرعة" على العالم ومات "البطء". فالرسالة تقطع آلاف الكيلومترات بثوان، والشخص ينتقل الى أقاصي العالم بساعات، أما الأفكار فهي كالأنهار الدافقة يشارك فيها جميع البشر، المثقف وغير المثقف، والمتعلم وغير المتعلم، صاحب القضية والذي بلا قضية، كلهم يتبادلون الآراء والمواقف على شبكة الإنترنت في مواقع التواصل الاجتماعي.

تبدّل العالم كلياً في زمن فيروس "كورونا" المستجد. اليوم حين ينتشر الفيروس في بلد، لا بد أنه سينتقل إلى بلد ثان بالضرورة. كأنه ينتقل من غرفة النوم إلى الصالون في البيت. لذا بات الفيروس المعدي يثير أعظم المخاوف، ويضع البشرية كلها في غرفة الحجر الصحي.

يضرب الفيروس الوبائي الجسد بشكل مباشر، فيضع المصاب به في حالتين، الأولى، الألم والعذاب والوجع وضيق النفس والسعال والغثيان الدائم، والحجر لمدة طويلة، وربما في النهاية الشفاء أو الموت. ولكنه يصيب أيضاً المصاب نفسه وغير المصاب، فينتشر الهلع والخوف واللايقين وانتظار الحل، والخوف من الآخر، وهذا كله ينتقل من فرد إلى فرد إلى أن يصبح جماعياً، ومن الجماعة إلى الشعب ومنه إلى الشعوب وهكذا دواليك، حتى يلتّف حول العالم، فيتساوى الفيروس المادي بالفيروس النفسي، ويسيران في جسد ونفس البشر بشكل متواز، وهذا ما يؤسس "بسيكولوجيا" جديدة لدى البشر، تتلخّص بالوسائل النفسية الجماعية التي يتعاملون بها مع الوباء، وهي ما يسمى "بسيكولوجية" الأوبئة.

مَن كان ليتوقع أن المطارات ستغلق، هذه التي يتنقل بينها ضعفا عدد سكان العالم سنوياً. ومن كان يتخيّل أن مدناً يدار منها العالم المعاصر على مختلف الصعد، كنيويورك وباريس ولندن وبكين ستصبح كمدن الأشباح لا تجوبها سيارة أو مشاة إلا بتصريح وإذن وعند الضرورة القصوى. ومن كان ليتوقّع خلال العقود الماضية أن البشر يتمتعون بإمكانية الإصابة بهذا القدر من الهلع والذعر. فقد شهدنا خلال العقود الماضية حروباً يشيب لها شعر الرأس، وقتلى بعشرات الآلاف ومشاهد ذبح وحرق قمة في الإجرام، ومدن دُمرت عن بكرة أبيها ومهجّرين من العالم الثالث إلى العالم الأول ينتقلون من بلد إلى آخر مشياً أو فوق الأمواج العاتية، ومن يصل منهم يكون الحظ حليفه... وعلى الرغم من ذلك، لم يصب شعب أو جماعة بهلع وذعر قيد أنملة.

يبدو أن للوباء تأثيره الخاص. ذلك الذي يحوّل المُشاهد أو الناظر إلى موت الآخرين في الحروب إلى مُستهدف هو نفسه بالموت بالعدوى. وهذا ما يحوّل الهلع والذعر الفرديين، إلى جماعيين، أي العدوى.

"فخ هوبز"، النظرية التي وضعها عالم الاجتماع الشهير، تقول إن الخوف بين البشر يتراكم جرّاء الخوف، فيسعى الخائف إلى الدفاع عن نفسه بالتسلّح مثلاً، فيدفع الآخر الخائف من التسلح إلى مزيد من التسلح، وهكذا دواليك، حتى يصبح الجميع عدو الجميع. وهذا ما ينطبق تماماً على أزمنة الوباء وتحديداً وباء "كورونا"، إذ يصبح الجار محل شك، وتتغير أنماط العلاقة بين الأفراد في العائلة نفسها، وهذا ما أسّس لعلوم جديدة على رأسها سيكولوجية البشر في أزمنة الأوبئة.

فقد أثارت الأوبئة عبر التاريخ العديد من الأسئلة الوجودية في العقل الجماعي للشعوب الموبوءة، بل، وتركت في بعض الحالات تأثيرات على التركيبة النفسية لأجيال كاملة. فالأوبئة مثلها مثل الحروب تؤسس لتغيرات جذرية في نمط حياة الشعوب اليومية وتنتهي التجربة بخلق وتؤسس لقيم وأفكار وأنماط مختلفة للحياة الإنسانية. بل وتنشأ مدارس فكرية وفنية، كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية مع ظهور المدرسة السوريالية فنياً، والوجودية والفوضوية في الفكر والفلسفة.

تشهد المجتمعات موجات من الخوف الجماعي عند تفشي الأوبئة، كما تحدث ثورة في التفسيرات المرتبطة بأسباب هذه المعاناة الجماعية جراء الوباء، وتتسبب في موجة من التناقضات القيمية، فالأوبئة بطبيعتها أمراض جديدة، لا تتوافر بشأنها معلومات أو توقعات بكيفية انتشارها ومكافحتها، ولا يوجد علاج لها. وكلّما كان الوباء خطيراً بسبب سرعة انتشاره وانتقاله بالعدوى والآثار التي يتركها على المصابين به، زادت المدة الزمنية بلا علاج واضح، وكانت المساحة متروكة للاجتهادات الفردية والاجتماعية، والتمسك بأي أمل في الخلاص، حتى وإن كان ذلك يتمثل في ممارسات غير منطقية.

وتُشير سيكولوجيا الأوبئة إلى أنه في الأزمات يدفع الخوف والقلق والارتياب الفرد نحو سلوكيات متناقضة غير منطقية تشبه في بعض الأحيان طلب "نهايات قوس قزح"، ويستعيد الفرد نمطاً أشبه بالحياة البدائية غير المتحضرة التي تحركها المشاعر والحاجات البدائية، وعلى النقيض من ذلك، تحفّز الأزمات الكبرى والأوبئة، في سياقات أخرى، تصاعد التدين والتردّد على دور العبادة، وزيادة في ممارسة الشعائر الدينية، وفقاً لجالوب Gallup Organization)) شركة الاستشارات الإدارية والموارد البشرية والبحوث الإحصائية، أنه منذ الستينات، كانت هناك نسبة أقل من 40 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الدين له أي تأثير في حياتهم، غير أنه بعد حادث انهيار برجي التجارة عام 2011، وصلت نسبة الأميركيين الذي يرون أنهم بحاجة إلى الدين إلى 71 في المئة.

وفي إطار انتشار "كورونا" حالياً، أشارت تقارير إعلامية صينية إلى أن 80 في المئة من المرضى في الصين تلقوا علاجاً تقليدياً، وبغض النظر عن فاعلية العلاج التقليدي من عدمه على مواجهة الوباء، إلا أنه يؤثر في حالة الفرد، وقد يعطيه بعض التوازن الداخلي المرتبط باعتقاده في فاعلية الوصفة الشعبية. وظهرت ممارسات أخرى مرتبطة بالمعتقدات الشعبية، مثل شرب "بول البقر" في الهند، باعتبارها وصفة شعبية ترتبط بمعتقدات دينية.

وأثناء انتشار الأوبئة، يواجه الفرد مخاطر احتمالات إصابته بالمرض، وهذا وحده قاس على تحمّل البشرّي الضعيف، لكن ما هو أثقل يرتبط بالمجهول، وهو ما يتسبب في تصاعد مشاعر الخوف والقلق مقارنة بالأمراض العادية، والتي قد تكون أكثر خطورة مقارنة بالوباء إذا أصاب الفرد. وهذا ما يفسّر المناكفات والمشاكسات التي تحدث في محلات بيع المواد الغذائية، أو حمى شراء "ورق التواليت" التي انتشرت في أوروبا والولايات المتحدة، حيث فرغت الرفوف منها فجأة من دون معرفة السبب المباشر لذلك.

الخوف لا يتعلّق بالمصابين فقط، بل يشمل المجتمع كله بدرجة أو بأخرى، فهي حالة مرتبطة بسرعة انتشار الوباء، وعدم وجود القدرة على توقّع متى وكيف ينتهي، ولا يوجد سقف واضح أو يقين بظهور دواء معالج. ويضاف إلى عدم اليقين وجهل المستقبل، عامل ثقة الشعوب في مؤسسات دولها، فكلما كانت لدى الشعوب ثقة عالية في مؤسسات الدولة وخدماتها، كانت هناك قدرة على الاحتواء وتقليل حدة القلق العام وتحجيمه، والعكس صحيح، فالهلع يصبح سيد الموقف في الدول التي لا تثق الشعوب بحكوماتها وبقدرتها على مواجهة الوباء. فتسيطر فكرة الأمن الذاتي في الأحياء والمجتمعات المحلية، وفي البيوت أيضاً. ويعمل كل فرد أو جماعة صغيرة على تأمين الحماية لنفسها بنفسها، ما يؤسس لانقسامات وعداوات بين أناس كانوا قبل الوباء من أقرب المقربين.

وفقاً للخبرات التاريخية في أوروبا، لوحظ تأثّر منظومة القيم وأنماط التديّن لدى بعض الفئات بفترات انتشار الأمراض والأوبئة الأكثر خطورة، فتبدأ بالتمسك بمعتقداتها الإيمانية كونها جزءاً من الخلاص، لكن بعد امتداد فترة انتشار الوباء وارتفاع مستوى الخطورة وزيادة الضغط النفسي، يبدأ الأشخاص الأكثر ذعراً بالتشكّك في معتقداتهم وقيمهم، وقد يذهبون إلى ممارسات ذات صلة بعقائد أخرى لعلهم يكونون خاطئين في ما يعتقدون، ويتساءل البعض، لا سيما في الأوبئة والأزمات الطبيعية التي ترتبط بالقدرات الغيبية، لماذا يبعث لنا الإله ما يؤلمنا ونحن نؤمن به؟ وتظهر تناقضات لدى الأفراد بين الرغبة في الاحتماء بالقيم والدين والمعتقدات الشعبية، وبين شكوكه في قدراتها على نجاة الفرد. فعلى سبيل المثال، أشارت دراسة ميدانية عن سيكولوجيا الأوبئة، إلى تسجيل حالات تحول ديني بين المصابين بمرض الإيدز في التسعينيات.

من الأمثال العالمية المعروفة حول الإشاعات أن "الكذبة تقطع نصف الكرة الأرضية قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها". في كتابه "الأوبئة والمجتمع" أشار "فرانك سنودين" إلى أنه حينما انتشر وباء الكوليرا ظهرت في فرنسا نظرية مؤامرة بأن الوباء من صنع الإنسان. وقد انتشرت خصوصاً إشاعة تفيد بأن حكومة الملك "لويس فيليب" تضع مادة الزرنيخ في آبار المياه، ومع انتشار الوباء وموت حوالى 20 ألف فرنسي اندلعت موجة عنف ضد الحكومة من قبل الشعب، وبالكاد استطاعت الشرطة التصدي لها.

عادة ما يصاحب الأوبئة وقلة المعلومات عنها، موجة من الإشاعات التي يطلقها البعض وينجرف خلفها ملايين على استعداد لتلقي أي إشاعة لتفسير ما يحدث حولها. وتعد هذه الفترات البيئة الخصبة لصعود نظرية المؤامرة، ليس فقط بين الشعوب وبعضها، بل أيضاً بين الدول. ولعل الاتهامات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية من جهة وبينها وبين إيران من جهة وبينها وبين بعض اللبنانيين، دليل على ذلك.

وقد ترتبط بعض الأوبئة بإثنيات تظهر فيها للمرة الأولى ثم تنتشر بعد ذلك، فتتعرض هذه الإثنيات إلى استبعاد أو تمييز. ومن الأمثلة على ذلك ظهور مصطلح "كورونوفوبيا" الذي ابتدعه البعض لتجسيد حالة الخوف من كل ذوي الملامح الآسيوية وليس الصينيين فقط، وذلك على الرغم من فساد الربط بين العرق وانتشار الأوبئة، وعدم منطقيته.

وبرزت في المنطقة العربية مؤشرات على انتشار هذا السلوك، كما في التعليقات "السلبية" عبر وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي، بل وانصرفت أحياناً إلى الواقع العملي.

يقول عالم النفس سيغموند فرويد "القلق هو المادة الخام لكل الأمراض النفسية"، وبما أن فيروس "كورونا" المستجد يثير القلق لدى النسبة الأعظم من سكان الكرة الأرضية، فمن المحتمل أن يضطرب تقدير الأفراد لأنفسهم كما يضطرب تقديرهم للآخرين، لا سيما أن انتقال وانتشار هذا الفيروس يتم بسرعة غير متوقعة. لذا تظهر الأعراض الوسواسية القهرية، مثل غسل اليدين، مراراً وتكراراً بحجة التطهير من الميكروبات والفيروسات.

أما ظاهرة انتشار الوباء، فإنه يسبب ما يشبه حالة هستيريا جماعية تعاني منها شعوب الكرة الأرضية قد تتحوّل إلى أحداث مادية فعلية تؤدي إلى الفوضى والتخريب وانفلات الأمن كما تصوّرها أفلام هوليوود التي تدور على فكرة اقتراب انتهاء العالم بسبب فيروس. فالسلوك الجماعي يعني التشكيل التلقائي لجمع من الناس على هيئة حشد، أو جماعة، أو شعب، أو أمة يخضعون لقيم طارئة. والتشكيل الجماعي حصيلة الإثارة المشتركة للمشاركين فيه، فالأفراد يتأثر بعضهم بالبعض الآخر، وكذلك تؤثر ردود الفعل المشتركة في أعضاء المجتمع، وإزاء ذلك يضعف الإدراك الاجتماعي الفردي والجماعي في زحمة الفوضى وانعدام التنظيم، فتنتشر الإشاعات وحالة الهلع، والمخاوف التي تؤدي إلى الاضطرابات، فضلاً عن حالة الهستيريا الجماعية.

يرى غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، "أن الأفراد يقعون تحت التأثير السريع والمفاجئ لتصديق ما يمهد السبيل للأساطير والإشاعات فتنتشر بسهولة فائقة. لم يلجأ لوبون في منهجيته التشخيصية إلى علم التاريخ ولا إلى علم الاقتصاد، وإنما إلى علم النفس، الذي أثبت أن هناك "روحاً واحدة للجماهير"، تخضع لإيعاز قائد أو محرك يديرها ويسيطر عليها، وهو هنا فيروس "كورونا"، أو الهلع والذعر الجماعي منه

إنها الذهنية المشتركة التي تتمتّع بها الجماعة في أوقات اتحادها. فما إن ينخرط الواحد في المجموع حتى يتغير وينصهر. هكذا خلُص إلى أن مناهج التحليل النفسي الخاصة بالأفراد مختلفة عن تلك المناهج الخاصة بالجماعات، لجهة أدوات التحليل والتقنيات والاستنتاجات. فالشعوب بالمحصلة أشبه بكارثة طبيعية مفاجئة، غير قابلة للتخاطب في سيلها اللاواعي. الثورات، والحشود، وحتى حشود كرة القدم، وجمهور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، كلها ظواهر خاضعة للآلية والخطورة نفسيهما، لأن الكل كان، ولا يزال، ينضوي تحت تسمية واحدة ويتحرّك ضمن سيكولوجية واحدة هي: سيكولوجية الجماهير.

أما أعمال كلودين هيزليتش السوسيولوجية حول الصحة فتحتل مكانة خاصة داخل السوسيولوجيا الفرنسية، كونها أوّل باحثة فرنسية تهتم بهذا السؤال، أي سوسيولوجيا الصحة. وبرأيها أن المرض ظاهرة اجتماعية، لأن طبيعته وتوزيعه يختلفان بين العصور والمجتمعات والأوضاع الاجتماعية، فإذا كانت الأوبئة والحمّى والسلّ الرئوي الهاجس الصحي الأول للمجتمعات الغربية في الماضي، فإن اختفاء هذه الأمراض تقريباً من الخريطة الصحية لهذه المجتمعات، عوّض بظهور أمراض جديدة كأمراض القلب، والأمراض المعدية، والسرطان والسيدا، كما أن بعض الأمراض التي أصبح علاجها ممكناً داخل المجتمعات الغربية لا تزال تعتبر قاتلة داخل مجتمعات أخرى ولا سيما دول العالم الثالث.

إن دفاع هيزليتش عن البعد الاجتماعي والرمزي للمرض سببه ولاؤها لعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا، أكثر من انتمائها إلى السوسيولوجيا، لأن ما يدفع الأفراد إلى عيادة الطبيب والتوجه نحو المستشفى ليس هو مجموع الأعراض العضوية التي تظهر على الجسد، وإنما لارتباط المرض بمفهوم "الواقع الحزين" الذي يهدد الحياة الفردية ويغيرها.