شردتها الحرب وفاجأتها الولادة في الصحراء... قصه نازحه يمنيه

قبل 9 شهر | الأخبار | اخبار الوطن

لم يكن لصراخ "عبد السلام" صدى عند ولادته، فقد ولد في مكان بلا جدران، عندما وضعته أمه في باطن الصحراء، بلارطب جنيا، ولا جذع نخلة أثناء ولادتها القاسية، ولا معجزات تستنجد بها والدته "جانية".

 

في شهر حمل "جانية" التاسع أخرجتها الرصاص من منزلها مجبرة في محافظة الجوف، وقطعت مسافات طويلة مشيا على الأقدام، تحمل جنينها، ويرافقها الخوف والموت حتى بلغت "عشة" والدتها وسط أشجار صحراء الجوف، هربا من الموت، لتنجو بحملها وحياتها، وتضع وليدها في الصحراء، في مشهد قاس ومؤلم.

 

"جانية" حميضة فتاة من أبناء مديرية مجزر آل حميضة التي تقطن بين مأرب والجوف، تشردت لأربع مرات متتالية بسبب الحرب، وتنقلت بين أربع مخيمات للنزوح في الجوف ومأرب جراء الحرب المشتعلة، وهجمات الحوثيين المتكررة على قريتها التابعة لمجزر إحدى مديريات مأرب.

 

لم تمهل الحرب "جانية" لتلد في داراها، بل أخرجتها لعذاب الولادة في الصحراء، فتذوقت الأمرين في نزوحها الأخير، وهي حامل في شهر ولادتها، ولم تكن تتوقع الولادة خارج منزلها، وتحججت كثيرا لتأخير خروجها من المنزل لذلك السبب.

 

تقول "جانية" في حديثها  إنها حاولت التأخر عن الخروج من البيت، متمنية أن تنتهي الحرب حتى تلد في منزلها، لكن للحرب رأي آخر تفرضه على الجميع.

 

وصلت "جانية" إلى الصحراء، وبعد ثلاثة أيام فقط، حان موعد ولادة جنينها.

 

تتحدث "جانية" والعبرات تقطع صوتها أنها ولدت في كوخ صغير "عشة" مصنوع من جذوع الأشجار وسط الصحراء، وظلت تصارع مخاض الولادة لثلاثة أيام متتالية، في مكان يخلو من إمكانيات تساعدها في الولادة، وفي ظروف بالغة السوء والتعقيد.

 

حانت الولادة التي جاءت كظرف غير مرغوب، وفي مكان غير مناسب، ولم يكن بجوارها، سوى والدتها، وخالتها فقط، والمكان كله خال من الرجال.

 

وتحت شجرة عارية في الصحراء، وضعت "جانية" مولودها الذي سمته "عبد السلام".

تقول "جانية" إنها تواجه صعوبة دائمة مع كل مولود لها، وتكرر الأمر مع أربعة من أطفالها السابقين، الذين ولدوا في المستشفى، لكن مولودها الخامس شاءت الأقدار أن يولد في الصحراء في عملية مخاض استمرت ثلاثة أيام بلياليها، وفي الليلة الثالثة بعد منتصف الليل خرج وليدها إلى الدنيا، ولكن في الصحراء، وليس في المنزل أو المستشفى.

 

قبل أن تمسح دمعتها قالت "جانية" متذكرة معاناتها "تمنيت لو أن الطفل ظل في بطني على أن ألده في مثل تلك الظروف".

 

وعن لحظات الولادة تقول "جانية": "وضعتُ مولودي في الرياح والبرد والحر الشديد، وفي مكان غير مناسب للولادة، فقد كان المكان يلفه الخوف، وغير آمن صحيا ونفسيا، ويفتقد لأدنى مستويات الرعاية في مثل حالتي، وشاهدتُ الموت مرارا وتمنيتُ أن أموت قبل الولادة وبعدها، على أن أعيش تلك اللحظات".

 

لا زالت "جانية" تشعر بالتعب جراء تلك الولادة، فلم تأخذ حقها الكافي من الراحة، كأي أم بعد الولادة، تحتاج لفترة راحة كاملة تصل إلى أربعين يوما، فلا توجد نساء يقمن على خدمتها في المكان الذي تقطنه، بل لا تتوفر أي مواد تغذية مناسبة تعوضها عن مخاض الولادة.

 

ظلت "جانية" طريحة الفراش لمدة ثلاثة أيام فقط، وفي اليوم الرابع كان عليها أن تغالب آلام الولادة ومتاعبها وتأثيرها، فأجبرتها ظروف الحياة وقوانينها القاسية -كما تصفها- لتعود من جديد لتمارس حياتها في خدمة أسرتها، فعادت إلى العمل مجددا في الصحراء لتلبية احتياجات أطفالها وعائلتها، الذين يعيشون ظروفا مادية وإنسانية مريرة، وسط صحراء مقطوعة، خالية مظاهر الحياة، فلا ماء ولا غاز ولاحياة، وليس سوى أعواد الحطب، التي يتم تجميعها كل يوم، لطهو طعام بسيط، يسد الحد الأدنى من رمق الجوع.

 

تواصل حديثها وهي ترتدي وشاحها الأسود، وطفلها الصغير يغفو في نومه أمامها، قائلة إنها شعرت بفرحة كبيرة عندما شاهدت شجرة أمامها في الصحراء، ومثلت لها ملاذا آمنا لتؤي إلى جوارها، فلم يكن يسيطر عليها لحظة فرارها من جحيم الحرب سوى العثور على مكان آمن يضم شتاتها، بعيدا عن الحرب، ودون فراش أو رداء، فقد خرجت من منزلها بصحبة أطفالها ناجية بأرواحهم فقط.

 

بعد ولادتها تقول جانية إنها كتبت مكان وتاريخ ميلاد طفلها عبد السلام البالغ من العمر شهر حين مقابلتها هذه العبارة التي احتفظت بها: "ولد عبد السلام في ظروف الحرب وأثناء النزوح في الصحراء بالجوف تحت الشجر في العراء بتاريخ الثالث من شهر مارس 2020م".

 

لكن التوثيق الحقيقي الذي لا زالت تحتفظ فيها ولايفارق مخيلتها يتمثل في تلك اللحظات الصعبة التي عاشتها، تقول إن الموقف الصعب الذي لن تنساه هو لحظة ولادتها لمولودها تحت الشجر وسط الصحراء، والبعوض يلف المكان، وحرارة الجو تضاعف المأساة، وتضيف: "هذا أصعب موقف في حياتي ولن تفارقني مدى حياتي لحظات ولادة هذا الطفل".

 

لم تتوقف معاناة "جانية" في ولادتها بل استمرت بعدها لتبحث عن حياة أو خيمة تأوي إليها، وبعد مرور 13 يوما من ولادتها اتجهت مع بقية النساء من أقاربها نحو مدينة مأرب على متن سيارة استأجرتها والدة جانية بمبلغ 100 ألف ريال، حد قولها.

 

"جانية" المرأة النحيلة عاشت قساوة الحياة، وعايشت كل معانات النساء اليمنيات من الحرب، إنها امرأة قوية حقا، فإلى جانب الوضع الذي عاشته، تعيش حاليا بلا أب وبرفقة ثلاث فتيات، ودون أخوة من الذكور، وتقوم في ذات الوقت على تربية خمسة أطفال.

 

كان أول نزوح لـ"جانية" مطلع العام 2014م عندما سعت جماعة الحوثي للسيطرة على مديرية مجزر، وفي تلك اللحظات سقط والدها شهيدا وهو يدافع عن المنطقة من هجوم الحوثيين، وبسبب ذلك عادت نزحت من المنطقة، ثم عادت لمنزلها  مجددا بعد تحرير المنطقة من الحوثيين، وبعد عودة الحوثيين مجددا لذات المنطقة اضطرت للنزوح ومغادرة المكان قبل أقل من شهر.

 

تقول "جانية" إنها آخر من نزح من قريتها من النساء لخوفها من الولادة في العراء، وتضيف أن الأسر نزحت من قرية آل حميضة إلى الروض في صحراء الجوف، ثم إلى وسط الصحراء، متجهة إلى مكان اسمه "الساعد"، وهي منطقة بعيدة لا تصلها القذائف والرصاص، مثلما لا تصلها المركبات والإسعافات والمنظمات، بل لم يصل إليها أحد من رجال أسرتها وقتذاك.

 

فحين سقطت الجوف وفرضة نهم بيد الحوثيين مؤخرا تحملت تبعات ذلك السقوط "جانية" ومئات النساء مثيلاتها، ويعشن حاليا في الشتات في ظل ظروف بالغة الصعوبة وكثيرة المهانة، بل في غياهب النسيان من الجهات الإنسانية.

 

تعيش "جانية" حاليا مع 13 فردا داخل منزل بغرفتين فقط، وخزان ماء واحد، وسط ازدحام كبير جدا، يجتمع فيه النساء والأطفال، بينما ينام الرجال خارج المنزل الذي جرى بناؤه على عجل، ويدفعون شهريا مبلغ 80 ألف ريال يمني، ما يعادل 140 دولارا كل شهر.

 

تقول "جانية" إنها واثنتين من النساء وضعن أطفالهن في نفس المكان وسط الصحراء، وبنفس الظروف القاسية، حيث أجواء الغبار والرياح والحر نهارا، والبرد ليلا، ولكل منهن قصة معاناة، دون أن يلتفت إليهن أحد، أو يتلقين مساعدات أو معاينات طبية لهن وأطفالهن المولودون في الصحراء.

 

 

 

 

 

الهيئة الشعبية لإسناد الجيش بمحافظة حجة تدشن مطارح قبائل