بعد البعثة

سماح عملاق
الجمعة ، ٢٤ يوليو ٢٠٢٠ الساعة ١١:٠٤ مساءً
مشاركة

بعد البعثة

شعرتُ بالكون في باطن يدي ذلك المساء حين أتى عاقل القرية ليناديني على غير عادته. علت زغاريد أمي التي وقفت خلف باب المجلس لتتنصت خوفًا من مشكلةٍ وشيكة حين بشرني بقبولي في منحةٍ خارجية للهند على حساب الدولة. وللمرة الأولى أرى دموع أبي تنحت طريقها بين تجاعيد وجهه..أخبرني -كي لاأقلق- بأنها دموع الفرحة التي افتقدها منذ عشرين عاما.

ومنذ صباح اليوم التالي خضتُ طريق المعاملات في إب ثم صنعاء العاصمة. كم كانت حلي "الخالات" مفيدةً في تلك الأثناء!!. لشهرين متتابعين ظللتُ في سفرٍ أتابع أوراقي وأصنع هويتي دون مرشدٍ سوى الله.

وبين أسبوعٍ وآخر كانت تصلني تسريبات بصفقات سرية لبيع مقعدي لابن مسئولٍ ثري عقب تعقيدات بعض الموظفين ووضعهم الأشواك في طريقي. وكما حدثتكم -سابقًا- أرشدني الله ووضع الطيبين في طريقي، فتابعتُ "منحتي" مرارًا لدرجة أني نمتُ عدة ليالٍ في الشارع أمام مبنى وزارة التربية والتعليم في صنعاء. كنتُ حاضرًا طوال دوامهم فأذعنوا لإصراري وكان السفر.

استقبلني مطار دلهي في الهند بالأحضان في السابع عشر من يونيو حزيران 2014. كنت مبهورًا بكل شيءٍ وأي شيء شأني شأن أي يمني يخرج لأول مرةٍ من بلاده. لايمكنني أن أفضح سذاجتي في أسبوعي الأول بالهند، تبدلت حقيبتي بحقيبة نسائية، وانسرقت محفظتي الصغيرة، وظللتُ طريقي نحو السكن الجامعي الذي تعجلتُ بالتحرك نحوه، وكان المفترض أن أنتظر مبعوثًا من السفارة. حُلّت كل المشاكل تدريجيًا بعد أسبوع من الضياع.

أذكر أن زميلًا مصريًا -في معهد للغات- سألني:"هو إيه اللي أخّرك على بداية الدوام كل ده؟! " رددتُ عليه بأسلوب يشبه"عبدالوكيل" في أثيوبيا والذي مثل دوره الفنان صلاح الوافي بمسلسل غربة البن : "مو أخرني؟.. أصلي كنت مستعجل! ". استغرب الزميل لكنه صمت.

مرّ العام الأول بارتياح؛ كانت الدولة تصرف راتبًا لابأس به، وكان أبي يرسل لي بين الفينة والأخرى مصاريف إضافية لاأعلم من أين له بها!. ولانشغالي بالتأقلم حزتُ على درجة"جيد جدًا" في اللغة الإنجليزية،و"جيد" في اللغة الهندية، فاكتأبتُ وقررتُ الاجتهاد أكثر رغبةً بتشريف موطني، وأبي وأمي العاجزين. وبالفعل ارتفع تحصيلي الدراسي للضعف في العام التالي بالجامعة.

وفي فترةٍ قصيرة كان الجميع يشير "أن انظروا لذلك اليمني المتواضع إنه الأول على دفعته". نظرات الإعجاب كانت لنفس الأشخاص الذين استقبلوني بسخريتهم الجارحة قبل عام واحد.

شعرتُ بشخصيتي تُبنى حجرًا على حجر ، وزادت ثقتي بنفسي، وكنتُ وطنيًا بامتياز؛ أحدث الغرباء عن اليمن وعن قريتي وعن مزارع البن، وحقول القات، وأترنم أمامهم بأغاني أيوب طارش، وأبو بكر سالم ، وأمل كعدل، ونجيبة عبدالله، ومحمد مرشد ناجي، بل وحاولتُ الحفظ لبقية الفنانين بمجرد خوضي العالم الإلكتروني هناك.

كنت أحكي لزميلاتي الأجنبيات عن الملكة بلقيس، وعن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي ، وعن أمة العليم السوسوة وعن أمي شخصيًا، وأستمتع بنظرات الاهتمام وبريق الإعجاب في أعينهن الملونة.

قبل نهاية العام الثاني صفعتني رسالةً من الجامعة تطالبني بدفع الرسوم.. شعرتُ بالإهانة في تلك الليلة ولم أنم؛ ومع بزوغ الصباح اتجهتُ للسفارة؛ كي أستفسر.

لم أجد جوابًا مقنعًا سوى أن بلادنا تمر بفترة حرب وعليّ تدبر أمري. آه، ليت الرسالة تأخرت نصف شهرٍ فقط كي أخوض اختباري بسلام، لكنها اللوائح!.

تركتُ المذاكرة وبدأت بالبحث عن عمل بعد تواصلي بعائلتي وإحساسي بعجزهم عن رفدي بكل ذلك المبلغ.

بدايةً غسلتُ الصحون في مطعم بالمدينة، وكنت أحاول استذكار معلوماتي أثناء العمل كون الاختبار بعد أسبوع فقط.. غضب مدير المطعم حين لمحني أقرأ ثم أغسل ثم أقرأ؛ فإذا بي أستنبط من نبرة كلامه باللغة الهندية الغضب الشديد، وأوامره لي بالتفرغ والتركيز على العمل فقط. حصدتُ مبلغًا "تافهًا" وطُردتُ بعدها.

وبينما كان المدير يدفعني بعنف تفاجأتُ بدكتورٍ لي في الجامعة يتعشى مع زوجته هناك.. أخفيتُ وجهي بكتابي كي لايعرفني أستاذي ومن خلف الزجاج عرف الكتاب وخرج مباشرةً .. أدخلني ومن فرط تواضعه أقعدني معهما على الطاولة، كان أردنيًا تقريبًا لأم سورية..

عرف قصتي كاملة..ولأنني من أوائل الطلاب عرض عليّ العمل في منزله؛ أهتم بأشجار حديقة المنزل، حارس، حمال، سائق، مدرس خصوصي لأولاده الثلاثة، وطالب أيضًا. قضيتُ عامين إضافيين مرهقًا لكن متفوقًا رغم تراجع علاماتي قليلًا.. لم تكن تكفي الفتات النادرة للدولة، ولولا العمل لانتحرتُ كما فعل زميلٌ يمني عقب تكالب الضغوطات عليه من كل جانب. أبلغني أستاذي الكريم في بداية عامي الخامس هناك بخبر عودته بلاده واستغنائه عني، نزل الخبر عليّ كالصاعقة.

بحثتُ عن عملٍ آخر دون جدوى، وصرتُ أستحي الوقوف في الشارع لأبيع بعض البضائع مثلًا خشية من سخرية أحد معارفي في الجامعة، أو هدّ الصورة الذهنية التي رسمتُها لنفسي منذ سنوات..ومع ذلك تواصلتُ بالوطن دون رد، وبالسفارة بلا حل، شعرتُ باليأس، وجعتُ فضلًا عن عجزي بالنسبة لمصاريف الدراسة.

فكرتُ يائسًا بالعودة لكني عجزتُ عن مصاريف السفر أيضًا.. اكتشفتُ مؤخرًا في الجالية اليمنية بأني لستُ وحدي، وقد كنتُ الأفضل حظًا بين مبتعثي الجمهورية اليمنية للهند، وغيرها من الدول.

بدأنا بتنظيم الوقفات الاحتجاجية، وأقمنا الحملات الإعلامية لإيصال صوتنا؛ فحصدنا حلولًا مؤقتة واستعراضية أمام الأضواء لاأكثر..

أنا الآن في عنق الزجاجة، معلقًا بين جهاد الأمس وطموح الغد، أتجرع آلام الغربة..عالقًا في زمن الكورونا.. لاأجد علمًا مريحًا ولم ألق عملًا مناسبًا يقيني أرق البعد والغياب.