الازهري الشجاع وثلاثية العلمانية

حسين الوادعي
الجمعة ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٠ الساعة ١٢:٥٠ صباحاً
مشاركة

ليست العلمانية  فصل الدين عن الدولة فقط، مع أن هذا الأمر هو أهم أعمدتها.

العلمانية لا تحرر الدين فقط من سيطرة السلطان، ولا تحرر الدولة فقط من غموض الكهانة، لكنها آلية بشرية لتحرير المجتمع من تسلط الأقوياء، وتحرير الفرد من سيطرة الجماعة، وتحرير العقل من سيطرة الخرافة، وتحرير النفس من قيود الكبت والتقاليد والخوف.

لست أدعي ولا أبالغ عندما أقول إن فرسان العلمانية العربية الأشجع، كانوا ثلاثة من خريجي الأزهر ومشايخه.

فأما أولهم، فهو علي عبد الرازق، الذي أنكر أي سلطة سياسية للدين، وأسس دينيا وتاريخيا لفصل الدين عن السياسة في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”.

ثانيهم هو طه حسين، الذي أرسى قاعدة علمانية العلم، وفصل الاعتقاد الديني الإيديولوجي عن البحث العلمي، ليكون البحث كله خالصا للعقل وللمنهج العلمي مهما كانت النتائج مخالفة للموروث، وذلك في كتابه “في الشعر الجاهلي”.

وأما الثالث، فهو خالد محمد خالد، الذي جمع مجد الفكرة العلمانية من أطرافه، فدعا لمدنية الحكم وفصل الدين عن الدولة في كتابه “من هنا نبدأ”.

ولأن تحرير الدين من السلطان لا يكفي وحده لتحرير المجتمع، فقد دعا لعلمانية التشريع وإقامة القوانين على العقل والمصلحة لا على النص والمرجعية الدينية في كتابه “الديمقراطية أبدا”.

ولأن تحرير القوانين من تسلط السلطان وكهانة رجل الدين لا تكفي وحدها لتحرير الفرد والنفس من أعباء التقاليد وأدران الخرافة، فقد دعا للأخلاق المدنية بدلا عن الأخلاق الدينية، وإلى إعادة بناء أخلاقنا من جديد بناء على علم النفس وعلوم الطب والإنسان، ونقل مرجعية الأخلاق من المحراب إلى غرفة التشريح.

هذه هي “الثلاثية العلمانية” التي أتقن عزفها، بقلم رشيق وعقل متوقد وشجاعة لا تعرف حدودا، الأزهري خالد محمد خالد، خلال أربع سنوات فقط.

عام 1950، طالب ووضع الأسس المفصلة لعلمنة الدولة والسياسة في “من هنا نبدأ”.

عام 1953، يعود بثورة أخرى مطالبا بعلمنة التشريع والقوانين في كتابه “الديمقراطية أبدا”،

وعام 1954، توغل خالد في عالم النفس والأخلاق ليطالب بعلمنة الاخلاق.

*فقرات من مقال طويل عن خالد محمد خالد