التصحر القيمي عند العرب!!

د. فؤاد البنا
الاثنين ، ١٤ ديسمبر ٢٠٢٠ الساعة ١١:٣٦ مساءً
مشاركة

تعاني مجتمعاتنا من تصحّر قيمي مفجع ومن جدب أخلاقي مريع، بما جعل جاهلية العصر تتعملق أمام الجاهلية العربية الأولى في غيّها، فقد كانت الجاهلية الأولى تمور بالقيم الراقية وتزخر بالأخلاق الحسنة، ومن تلك الأخلاق خلق الوفاء، حيث اشتهر المجتمع العربي بالوفاء بالعقود والمواثيق والالتزام بالمواقيت والمواعيد بصورة تجل عن الوصف.

ورغم اشتهار اليهود عبر التأريخ بنبذ العهود ونقض المواثيق، إلا أن اندماجهم في المجتمع العربي في ذلك الزمان طبع كثيرين منهم بالطابع الأخلاقي العربي، حتى ظهر من اليهود العرب من تعملق في خلق الوفاء، وعلى رأسهم السموأل الذي ضرب العرب به المثل في الوفاء، حيث يقال: "أوفى من السموأل"؛ إذ روي بأن امرؤ القيس أودع عند السموأل دروعا وسيوفا فهاجمه أحد ملوك الشام وطلب منه دفع الدروع والسيوف إليه فرفض، فاختطف الملك أحد أبنائه وخيّره بين أن يدفعها إليه أو أن يذبح ابنه، لكنه أبى أن يسلم الأمانة وفضّل ذبح ابنه على خيانة الأمانة؛ وهذا يدل على المكانة السامقة التي احتلتها هذه القيمة في المجتمع العربي آنذاك، حيث كان المرء يسترخص حياته مقابل الوفاء بعهده وميثاقه والمحافظة على أمانته ووديعته!

أما في عصرنا فقد وصل التصحر القيمي ببعضهم إلى حد الاستمتاع بالخيانة والتلذذ بالنكث، وتجد من ينقض عهده ويخلف وعده لا يشعر بذنب إلا كما يشعر من يهش الذباب عن وجهه، وترى من يحتسي كوبا من الخيانة كمن يشرب كأسا من مشروبه المفضل!